أبي حيان الأندلسي

209

البحر المحيط في التفسير

الملائكة بقولهم : وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ « 1 » . والطريق الثاني : أن إمهاله الشيطان وتخليته حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة للتزيين فأسند إليه ، لأنه المختار المحكي ببعض الملابسات . انتهى ، وهو تأويل على طريق الاعتزال . أُوْلئِكَ : إشارة إلى منكري البعث ، و سُوءُ الْعَذابِ : الظاهر أنه ليس مقيدا بالدنيا ، بل لهم ذلك في الدنيا والآخرة . وقيل : المعنى في الدنيا ، وفسر بما نالهم يوم بدر من القتل والأسر والنهب . وقيل : ما ينالونه عند الموت وما بعده من عذاب القبر . وسوء العذاب : شدته وعظمه . والظاهر أن الْأَخْسَرُونَ أفعل التفضيل ، وذلك أن الكافر خسر الدنيا والآخرة ، كما أخبر عنه تعالى ، وهو في الآخرة أكثر خسرانا ، إذ مآله إلى عقاب دائم . وأما في الدنيا ، فإذا أصابه بلاء ، فقد يزول عنه وينكشف . فكثرة الخسران وزيادته ، إنما ذلك له في الآخرة ، وقد ترتب الأكثرية ، وإن كان المسند إليه واحدا بالنسبة إلى الزمان والمكان ، أو الهيئة ، أو غير ذلك مما يقبل الزيادة . وقال الكرماني : أفعل هنا للمبالغة لا للشركة ، كأنه يقول : ليس للمؤمن خسران البتة حتى يشركه فيه الكافر ويزيد عليه ، وقد بينا كيفية الاشتراك بالنسبة إلى الدنيا والآخرة . وقال ابن عطية : والأخسرون جمع أخسر ، لأن أفعل صفة لا يجمع إلا أن يضاف ، فتقوى رتبته في الأسماء ، وفي هذا نظر . انتهى . ولا نظر في كونه يجمع جمع سلامة وجمع تكسير . إذا كان بال ، بل لا يجوز فيه إلا ذلك ، إذا كان قبله ما يطابقه في الجمعية فيقول : الزيدون هم الأفضلون ، والأفاضل ، والهندات هنّ الفضليات والفضل . وأما قوله : لا يجمع إلا أن يضاف ، فلا يتعين إذ ذاك جمعه ، بل إذا أضيف إلى نكرة فلا يجوز جمعه ، وإن أضيف إلى معرفة جاز فيه الجمع والإفراد على ما قرر ذلك في كتب النحو . ولما تقدم : تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ ، خاطب نبيه بقوله : وَإِنَّكَ ، أي هذا القرآن الذي تلقيته هو من عند اللّه تعالى ، وهو الحكيم العليم ، لا كما ادعاه المشركون من أنه إفك وأساطير وكهانة وشعر ، وغير ذلك من تقوّلاتهم . وبنى الفعل للمفعول ، وحذف الفاعل ، وهو جبريل عليه السلام ، للدلالة عليه في قوله : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ « 2 » . ولقي يتعدى إلى واحد ، والتضعيف فيه للتعدية ، فيعدى به إلى اثنين ، وكأنه كان غائبا عنه فلقيه فتلقاه . قال ابن عطية : ومعناه يعطي ، كما قال : وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ « 3 » .

--> ( 1 ) سورة الفرقان : 25 / 18 . ( 2 ) سورة الشعراء : 26 / 193 . ( 3 ) سورة فصلت : 41 / 35 .